بين التضليل و التقسيم و تشتيت الوعي القومي .. هل وقعنا في الفخ؟

بين التضليل و التقسيم و تشتيت الوعي القومي .. هل وقعنا في الفخ؟
لم تعد معركة الآشوريين اليوم في الوطن و المهجر تقتصر على ما يجري على الأرض ، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني ، حيث أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لصراعات لا تقل خطورة عن الصراعات السياسية ، فالمتابع للشأن الآشوري على فيسبوك وتيك توك وغيرها من المنصات التواصل الإجتماعي يلاحظ انتشار عشرات الحسابات التي تبدو مختلفة في أسلوبها ، لكنها تركز دوما على تشتيت الانتباه ، واستنزاف الطاقات الاشورية ، وإبعاد النقاش عن القضايا المصيرية .
قد تختلف الجهات التي تقف وراء هذه الحسابات ، و قد يكون بعضها مدفوعا بقناعات شخصية ، بينما قد يعمل بعضها الآخر وفق أجندات سياسية أو أيديولوجية أصبح الكثير منها معروفا ، و النتيجة المستهدفة مجتمع فاشل منشغل بنفسه أكثر من انشغاله بقضاياه .
و تقسم هذه الحسابات الصفراء من حيث أهدافها إلى عدة تخصصات ، و نستعرض منها على سبيل الذكر لا الحصر مايلي …
أولا حسابات التشكيك بالهوية الاشورية :
و يديرها مجموعة من المدلسين و المزورين الذين لا يفقهون شيئا في التاريخ ، بحيث لا يستطيعون التمييز بين المذهب الديني و القومية كالفرق بين النسطورية و الآشورية فيدعون طوال الوقت أن الاشوريون قد انقرضوا بعد سقوط نينوى ، و ان الاشوريين الان ليسوا أحفاد الاشوريين القدماء ، متجاهلين خريطة الشيفرة الوراثية و التاريخ و الجغرافيا و اللغة و الملامح و العادات و التقاليد و علم الآثار و شهادات المؤرخين ، فيهرع الكثير من المثقفين الاشوريين لإثبات المثبت و تأكيد المؤكد و كأننا بحاجة لإثبات نسبنا و هويتنا ، متجاهلين أن هذه الادعاءات الغبية هدفها استنزاف طاقات الطبقة المثقفة الاشورية و استدراج الباحثين والمثقفين الآشوريين إلى سجالات متكررة لا تضيف جديدا ، فتستهلك وقتهم وجهدهم في الرد على قضايا سبق تناولها مرارا ، بينما تبقى القضايا الأكثر إلحاحا بعيدة عن دائرة الاهتمام ، و للأسف فإن هذه الخدعة ما تزال فعالة و تنجح كل مرة في إيقاع الكثير في فخ مضيعة الوقت .
ثانيا حسابات إثارة النعرات التقسيمة بين طوائف الشعب الاشوري:
هذه الحسابات تهدف لجعل كل طائفة من طوائف الشعب الاشوري قومية مستقلة بذاتها ، فتدعي مثلا أن جميع كلدان اليوم هم كلدان ما قبل الميلاد متناسين أن الكثلكة وصلت لبلاد اشور في القرن السادس عشر و قبل هذا التاريخ و حتى يومنا هذا كنا ابناء كنيسة واحدة و كان اسمنا سوراي المشتقة من اسورايه و تعني اشوريين ، كما تدعي أن السريان هم آراميون و أن ابناء كنيسة المشرق هراطقة و هم ليسوا اشوريون اصلا ، و تنشط هذه الحسابات باسماء وهمية على الفيسبوك و التيكتوك و تشتهر بعضها للأسف ببذاءة اللسان و انحدار الاخلاق و رداءة المحتوى و تستنزف طاقة الكثير من شبابنا الاشوري لاثبات العكس ، و يركز هذا النوع من الحسابات على تضخيم الاختلافات الكنسية أو المذهبية وتحويلها إلى انقسامات قومية ، فتطرح روايات تاريخية متعارضة بأسلوب يستفز المشاعر أكثر مما يخاطب العقل ، و مع مرور الوقت تتحول هذه السجالات إلى حالة من الاستقطاب ، فينشغل أبناء الشعب الآشوري بإثبات الفوارق بينهم بدلا من البحث عما يجمعهم ، فيزداد الانقسام و التعصب الديني الذي يؤثر على زعزعة أواصر المجتمع الاشوري فنقع في فخ التقسيم من جديد دون أن نعلم .
ثالثا: حسابات التفخيم و التلميع و الترقيع
حسابات تهدف لتلميع صور أصحاب الفخامة و القداسة و المعالي كرؤساء بعض الاحزاب السياسية الاشورية الخلبية المشكوك في عمالتها ، و بعض رجال الدين الجبناء و العملاء ، و بعض الشخصيات السياسية الفارغة .
كما تقوم بالترقيع للتصريحات الكاذبة و البيانات العقيمة و المواقف الجبانة و الفضائح المخجلة ، كما تجد تبريرا مناسبا لها كل حين .
و تدافع بكل قوتها عن العملاء و تمجيد الأسياد متجاهلين أن غياب المساءلة يضعف فرص الإصلاح و يؤخر معالجة المشكلات التي تمس المجتمع.
حسابات العار هذه تؤخر محاسبة الشعب للفاسدين ، و تساهم بنشر العشائرية و الطائفية بين مكونات الشعب الاشوري ، فنقع في فخ تمجيد من لا يستحق و نحن بكامل قوانا العقلية .
رابعا حسابات التبشير الديني
تهدف لإقناع الآشوري البسيط بأن مملكته ليست من هذا العالم ، و أن الملكوت السماوي أهم من الملكوت الأرضي فتساهم في اضعاف الروح القومية ، كما تسعى لزيادة أعداد خراف الزعماء الدينيين عن طريق اقناعهم ان رجل الدين بيده مفتاح السماء فما يحرمه حرام و ما يحلله حلال .
تساهم هذه الحسابات في الوقوع في فخ الشعور الدائم بالخطيئة و الذنب اثناء محاولة كشف بعض الترهات و الخرافات الدينية التي لا يقبلها العقل و المنطق .
خامسا حسابات السخافات
تهتم بنشر أتفه المواضيع و أسخفها طوال الوقت ، بينما تغيب القضايا التي تمس الوجود والحقوق والمستقبل عن دائرة اهتماماتها ، فليس الخطر في متابعة مباراة أو برنامج ترفيهي ، وإنما في أن تصبح تلك المتابعات بديلا دائما عن الاهتمام بما يجري على أرض الآباء والأجداد كما نراه هذه الفترة مثلا في مباريات كأس العالم و الانتهاكات على اراضي الاشوريين مستمرة دون ان تسلط هذه الحسابات الضوء على اي قضية اشورية هامة ، فتشد اهتمام المتصفحين للاسف لفترات طويلة يوميا فيقع المتصفح في فخ التفاهة و تسطيح الفكر.
سادسا الحسابات الرمادية :
وهي الحسابات التي تتجنب إبداء أي موقف واضح تجاه القضايا التي تمس حقوق الآشوريين ، وخاصة ما يتعلق بالأراضي والانتهاكات أو الحقوق الدستورية.
من حق أي شخص أن يختار الحياد ، لكن استمرار الغموض في القضايا المصيرية قد يترك أثرا سلبيا على وعي المتابعين و خاصة فيما يمس حقوق الاشوريين في ارض اجدادهم كما حدث و يحدث في قضية التجاوزات على الأراضي الاشورية في شمال العراق فتوقع المتصفح في فخ اللامبالاة و اللامبدئية .
سابعا حسابات المنافقين:
حسابات لا نسمع من أصحابها الا الخطابات الثورية الحماسية ، التي ترفع سقف الشعارات ، دون الاستناد على معطيات الواقع ، و نادرا ما تقدم مشروعا أو رؤية أو عمل ملموس .
إن الكلمات التي لا تتحول إلى أفعال قد تمنح شعورا مؤقتا بالحماس ، لكنها تترك في النهاية مزيدا من الإحباط وفقدان الثقة بالنفس و بالامة ، و هذه الحسابات توقع المتصفح في فخ اليأس و الاكتئاب.
ليست المشكلة في اختلاف الآراء ، فالتعدد الفكري ظاهرة صحية في أي مجتمع حي ، وإنما في أن تتحول هذه الاختلافات إلى معارك لا تنتهي ، بينما تستمر القضايا المصيرية في التراجع إلى الهامش.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة ليس الهجوم الخارجي وحده ، بل أن تستنزف نفسها بنفسها و أن تنهش بلحم بعضها و أن تتلذذ بمحاربة نفسها ، وأن تهدر وقتها وطاقاتها في صراعات جانبية لن تعيد لنا حقوقنا يوما.
لذلك ، فإن مسؤوليتنا جميعا هي أن نميز بين الحوار الحقيقي والجدل العقيم ، و أن نمنح الأولوية دوما للقضايا التي تمس وجودنا ومستقبل أجيالنا الاشورية في الوطن و المهجر ، وأن ندرك أن أكبر انتصار يمكن أن يحققه أي خصم هو أن يجعلنا نحارب بعضنا البعض ، بينما يمضي هو في تحقيق أهدافه في تهميش القضية الاشورية.


Comments are closed.