رد على مقال القس عمانوئيل يوخنا: “إلى بعض أهلي من آشوريي الخابور. الدكتور بطرس تشابا
الأخ الدكتور بطرس تشابا يرد على الخوري عمانوئيل يوخنا
رد على مقال القس عمانوئيل يوخنا: “إلى بعض أهلي من آشوريي الخابور”
.
بدايةً، لست بصدد مناقشة مقال السيد عمانوئيل يوخنا نقطةً بنقطة، فقد قام إخوتي في كوادر الحزب الآشوري الديمقراطي مشكورين بتفنيد ما ورد فيه، مستندين إلى حقائق تاريخية لا يختلف عليها المنصفون والمتابعون لمسيرة القضية الآشورية. وإنما أود أن أتناول ظاهرة سياسية رافقت القضية الآشورية لعقود، وألحقت بها من الضرر ما لم تستطع بعض القوى المعادية أن تحققه وحدها.
لقد أثبتت التجربة أن كل تحرك قومي آشوري، سواء كان منظمًا عبر مؤسساتنا السياسية أو نابعًا من إرادة شعبية عفوية، يقابَل بحملة منظمة هدفها إفراغه من مضمونه وإضعاف أثره. وهذا أمر لا يثير الاستغراب عندما يصدر عن الجهات التي تناصب القضية الآشورية العداء، لكن ما يثير الاستغراب والأسف هو أن تتكرر هذه الحملات بأقلام وأصوات من داخل البيت الآشوري، وفي توقيت يخدم، عن قصد الجهات التي تسعى إلى إجهاض أي مطالبة بالحقوق القومية المشروعة.
لقد شاهدنا ذلك بوضوح خلال التحركات الأخيرة المطالبة باستعادة الأراضي الآشورية المغتصبة في الوطن أشور. ففي الوقت الذي واجه فيه أبناء شعبنا القمع والمنع والتضييق على الأرض، كانت هناك أيضًا حرب إعلامية شرسة هدفت إلى تشويه مطالبهم والتشكيك في عدالتها. والأخطر من ذلك أن بعض الأصوات الآشورية انشغلت بتوجيه سهام النقد إلى أصحاب القضية بدلًا من توجيهها إلى من سلب الأرض والحقوق.
إن القاسم المشترك في هذه المواقف هو أنها لا تقدم بديلًا وطنيًا أو قوميا، ولا تطرح مشروعًا يخدم القضية الآشورية، بل تعمل على تحويل الأنظار عن جوهر الصراع إلى معارك جانبية تستنزف الطاقات. فمرةً يقود الكاهن عمانوئيل حملة هدفها التشكيك في نضال آشوريي الخابور والدعوة إلى عزلهم عن القضية القومية، ومرةً أخرى تتحول الأولوية إلى شن حملة ضد استعمال اسم “آشورايا”، وكأن معركة شعبنا الحقيقية أصبحت مع اسمه القومي، لا مع من صادر أرضه وحقوقه وهجّر أبناءه.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل يسترسل أحد السياسيين و وصل إلى حد إنكار حقيقة الاحتلال الواقع على الأراضي الآشورية، من خلال اجتهادات لغوية وسياسية تحاول الالتفاف على الوقائع التاريخية. فبدل الاعتراف بأن هناك أرضًا آشورية جرى الاستيلاء عليها عبر مراحل متعاقبة من العنف والتهجير والتغيير الديمغرافي، يجري اختزال القضية في نقاشات لغوية حول تعريف معنى الاحتلال، وكأن تغيير المصطلحات كفيل بتغيير الحقائق.
إن الاحتلال لا يُقاس فقط بالشكل العسكري التقليدي أو بمعركة تنتهي بتوقيع استسلام، وإنما يُقاس أيضًا بنتيجته: الاستيلاء على الأرض، وحرمان أصحابها منها، وفرض واقع جديد بالقوة أو باستغلال ظروف الإبادة والتهجير. وهذه حقيقة يعرفها كل من يقرأ تاريخ المنطقة بعيدًا عن الاعتبارات السياسية الضيقة.
بات واضحًا لكل متابعٍ للقضية الآشورية أن هذه الهجمات الإعلامية الشرسة لا يمكن تصنيفها على أنها مجرد هجومٍ من ذئبٍ منفرد، بل تندرج ضمن إطار حملةٍ منظمة تُدار وتُوجَّه وفق أجندات محددة، تُحرَّك أدواتها من قبل المحتل كلما اقتضت الحاجة، بهدف التشويش على القضية الآشورية، وإضعاف خطابها الوطني، وإثارة الانقسامات داخل صفوف أبنائها.
عودةً إلى مقال السيد عمانوئيل يوخنا، وما تضمّنه من إساءة بحق أبناء أمته الآشورية، أقول:
إن أبناء الخابور الآشوريين لم يختاروا الرحيل طواعية، ولم يغادروا وطنهم بحثًا عن حياة أكثر رفاهية أو مستقبل اقتصادي أفضل، بل هُجِّروا قسرًا بعد عقود طويلة من الاضطهاد والمجازر التي استهدفت وجودهم القومي، وبلغت ذروتها بمذبحة سميل عام 1933 التي ارتكبتها الحكومة العراقية، بمشاركة قوى محلية كردية متحالفة معها. لقد كان تهجيرهم ثمنًا لتمسكهم بهويتهم القومية، ولنضالهم من أجل الحرية والكرامة وحقهم المشروع في العيش على أرض آبائهم وأجدادهم، ولم يكن يومًا خيارًا سياسيًا أو اقتصاديًا كما يحاول البعض أن يصوّره.
أما مصطلح “آشور المحتلة” فليس شعارًا مستحدثًا، ولا ابتكارًا سياسيًا عابرًا، بل هو توصيف تاريخي وجغرافي وديموغرافي لواقع دفعت الأمة الآشورية ثمنه مئات الآلاف من الشهداء. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، قاد الشهيد أغا بطرس، وقداسة مثلث الرحمات مار إيشاي شمعون، النضال الآشوري في ميادين القتال والمحافل الدولية، ورفعوا المذكرات إلى عصبة الأمم والمحاكم الدولية للمطالبة بجزء من الأرض التاريخية تحت مشروع “دولة آشور الحرة”.
في الخابور، عاش الآشوريون أقسى الظروف المعيشية والسياسية، لكنهم نجحوا في بناء مجتمع قومي متماسك، وكانوا يرون في الخابور وطنًا مؤقتًا إلى حين العودة إلى وطنهم التاريخي. لذلك سمّوا قراهم “كمبي” ولم يسمّوها “ماثا”، لأنهم كانوا يؤمنون بأن وجودهم هناك مؤقت، وأن العودة إلى آشور حق لا يسقط بالتقادم. لقد غرسوا هذا الإيمان في وجدان أبنائهم جيلاً بعد جيل.
في الخابور، لم ننشغل بالجدل العقيم حول التاء والثاء والشين، ولم نُضع أعمارنا في معارك لغوية فارغة. كان الجميع يعرف أنه آشوري، ويفتخر بانتمائه القومي والحضاري، وكانت البوصلة واضحة: الأرض، والهوية، والحرية.
لكن بعد عقود من الانقطاع بفعل الظروف السياسية و الإقليمية، عدنا، ويا ليتنا لم نعد، لنجد جزءًا من النخبة السياسية الأشورية قد استبدل أولويات القضية الآشورية بقضايا مستوردة. فمنهم من لبس الشروال العريض و جعل الدفاع عن “حرية كردستان” قضيته الأولى، ومنهم من بالغ في إظهار الولاء لأحفاد من شاركوا في سفك دماء شعبه واحتلال أرضه، بينما انغمس آخرون في صناعة تسميات هيبرد هجينة ومشاريع هوية مشوهة: كلدوآشوري، كلداني سرياني آشوري، ثم اختزالها إلى “ك س أ” و بعضهم قفز ليعبر عن نفسه بضمير الغائب و “نا” الدالة على الجماعة، وكأن أزمة الأمة تكمن في اختراع أسماء جديدة، لا في ضياع الأرض وتشريد الشعب.
ولأنكم يا قس عمانوئيل كنتم من القيادات البارزة في حزب كان له الدور الأكبر في ترسيخ هذه المشاريع، فإن مسؤوليتكم السياسية والفكرية لا يمكن تجاهلها. فعشرات مقالاتكم ومواقفكم لم تجد حرجًا في تسمية الوطن التاريخي بـ”كردستان”، ولم تتردد في وصف أبناء شعبكم بـ”مسيحيي كردستان”، بل دافعت عن هذه التسمية دفاعًا مستميتًا. لكن ما إن استُبدل حرف التاء بالشين حتى استنفرتم كل طاقاتكم اللغوية والفلسفية، وكأن مأساة الأمة الآشورية اختُزلت في حرف، لا في احتلال الوطن، ولا في محاولات طمس الهوية، ولا في شرعنة أسماء فرضها المحتل.
واستنادًا إلى ما تؤكدونه أنتم بأن حزبكم كان حزبًا نخبويًا لا شعبويًا، فإن المسؤولية الفكرية والسياسية تقع، قبل أي طرف آخر، على عاتق تلك النخبة التي صاغت الخطاب ورسمت التوجهات، لا على عاتق الشعب الآشوري. فالشعوب لا تنتج هذه الطروحات من تلقاء نفسها، وإنما تتأثر بما تنتجه القيادات والنخب التي تتولى توجيه الرأي العام. لذلك، فإن أصبع الاتهام يتجه إلى النخبة التي قادت هذا المسار، لا إلى الشعب الآشوري الذي بقي، رغم كل محاولات التشويش، متمسكًا بهويته القومية وتاريخه وحقه في وطنه. أما هذه الطروحات والبدع الفكرية، فلا يمكن تحميلها للشعب، لأنه كان ولا يزال بريئًا منها.
ويبقى السؤال الذي لم تجيبوا عنه: ما هي الأولوية في القضية الآشورية؟ أهي استبدال حرف التاء بالشين، أم مواجهة شرعنة تسمية “كردستان” على أرض آشور؟ هل يكمن الخطر الحقيقي في لفظة، أم في تكريس خطاب يمنح الشرعية لاسم ينكر وجود آشور أصلًا؟
إن أبناء الخابور وُلدوا وعاشوا في شمال آشور، وواجهوا المجازر والتهجير دفاعًا عن كرامتهم وهويتهم. حملوا وطنهم في ذاكرتهم، وربّوا أبناءهم على أن الخابور محطة مؤقتة لا وطنًا بديلًا. ولذلك بقيت آشور المحتلة وطنهم في الوجدان، وستبقى كذلك حتى آخر آشوري يؤمن بأن الأرض لا تسقط بالتقادم، وأن الحقوق لا يبددها الاحتلال، ولا تغيرها المصطلحات، ولا تمحوها حملات التزييف.

