رد على مقال الخوري عمانوئيل يوخنا: إلى بعض أهلي من آشوريي الخابور. داني اختيار
الأخ يرد على الخوري عمانوئيل يوخنا
رد على مقال الخوري عمانوئيل يوخنا: “إلى بعض أهلي من آشوريي الخابور”
حضرة الخوري عمانوئيل يوخنا .
تابعنا بمزيد من الاهتمام والألم مقالك الأخير المنشور بتاريخ 18 تموز 2026. وإننا إذ نثمن حرصك الظاهر على مصلحة شعبنا والواقع الديموغرافي المحزن في قرى الخابور العزيزة، نجد أنفسنا ملزمين بوضع النقاط على الحروف وتصحيح بعض المفاهيم التاريخية والسياسية والعملية التي وردت في مقالك، لئلا تُقتطع قضايا الأمة من محيطها الشامل أو تُحول الجغرافيا القومية إلى خنادق للاستقطاب.
أولاً: النضال القومي ليس ارتهاناً بحدود سايكس بيكو ولا بجواز السفر
إن تأسيس الحزب الآشوري الديمقراطي عام 1977 في سوريا لم يكن ترفاً سياسياً، بل كان استمراراً طبيعياً ومسؤولاً لمسيرة نضال الأمة الآشورية التي حُرمت من أرضها التاريخية وتوزعت رغماً عنها بفعل المذابح والسياسات الاستعمارية.
حين جعل الحزب في أدبياته النضال من أجل الحكم الذاتي وشعبنا في العراق هدفاً مركزياً، كان ينطلق من وحدة المصير القومي. فالانتماء للوطن والقومية لا يُقاس بالوثائق الثبوتية أو الإجراءات الإدارية المعقدة في الدوائر الحكومية؛ بل بالانتماء الوجداني والعمل النضالي المستمر. إن أبناء الخابور، الذين قُطعت عن آبائهم الجنسية العراقية بعد مذبحة سميل عام 1933 وشُردوا في العراء ليعيدوا بناء حياتهم بأيدي الخالي من اللاشيء، لم يسقطوا انتمائهم للعراق أو لأرض آشور التاريخية يومًا، وتسمية القرى بـ”الكمبات” كانت وما زالت شاهدًا حيًا ونبضًا يرفض تكريس الشتات والبديل.
ثانياً: الادعاء بشأن الجنسية العراقية.. تبسيط مخل لواقع قانوني ومأساوي معقد
ورد في مقالك أن الدستور العراقي لعام 2005 وقانون الجنسية أتاحا لسكان الخابور استعادة جنسيتهم، واعتبرتم عدم تقدمهم بطلبها دليلًا على التخلي عن الانتماء. وهنا نود توضيح حقيقة قانونية وسياسية غفلت عنها طروحاتك:
غياب الاعتراف والتشريع الجماعي: إن الدولة العراقية لغاية اليوم لم تعترف رسمياً بمذبحة سميل عام 1933 كإبادة جماعية وتهجير قسري، ولم يصدر قرارٌ سيادي أو قانون خاص يدعو أبناء وأحفاد ضحايا سميل جماعياً وبشكل معلن لاستعادة جنسيتهم أو تعويضهم وتسهيل عودتهم.
استحالة الإثبات الفردي وتكاليفه: إن تطبيق قانون الجنسية الحالي يتطلب من الفرد تقديم وثائق ثبوتية تثبت إسقاط الجنسية عن أجداده لأسباب سياسية قبل زهاء قرن من الزمن! كيف للمهجر الذي اقتُلع من أرضه وحُرقت قراه عام 1933 أن يوفر هذه الإثباتات التعجيزية؟ ناهيك عن العبء المالي والإداري الضخم لتنازع المحاكم وتوكيل المحامين داخل العراق بالنسبة لمواطنين عاشوا لعقود في الشتات.
إن بناء اتهام سياسي وأخلاقي لأبناء الخابور بالتقاعس عن استعادة جنسيتهم بناءً على نص قانوني عام وغير مفعل إجرائياً تجاه حالتهم الخاصة، هو تحميلٌ للضحية مسؤلية إخفاقات ومظالم الدولة المفترضة.
ثالثا: التشارك التاريخي والدعم المتبادل بين أبناء الشعب الواحد
يعلم الخوري قبل غيره أن العلاقات بين القوى السياسية والمؤسسات الآشورية على أمتداد وجودها كانت قائمة على التكامل لا التمنين.
ونحن هنا نذكّر، ليس من باب التباهي بل لتنشيط الذاكرة القومية:
التضامن العملي: في أعقد الظروف التي مرّ بها أبناء شعبنا في شمال العراق خلال تسعينيات القرن الماضي، كان للحزب الآشوري الديمقراطي شرف تقديم الدعم المباشر لأبناء شعبنا هناك، عبر توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، ودعم الطلبة الجامعيين والشباب في الوطن.
العمل المشترك: قد عملت أنت شخصياً، حين كنت عضواً فاعلاً في قيادة الحزب الوطني الآشوري (قبيل مغادرتك له)، على نقل وتوزيع هذه المساهمات التي أرسلها اخوتنا في الحزب وأبناء شعبنا في دول المهجر لدعم صمود أبنائنا في العراق، متوجين ذلك بوثيقة العمل المشترك بين حزبينا عام 1995.
فإذا كان أبناء الخابور والمنظمات الداعمة لهم في الخارج سنداً لإخوتهم في العراق وقت الشدة، فكيف يُطلب منهم اليوم أن يقفوا على الحياد، أو يُقال لهم: “دعونا وشأننا وارتضوا بالريموت كونترول”؟
رابعا : واقعية المطلب السياسي وحق المساءلة
إن طرح مشروع إقليم آشور أو المثلث الآشوري ليس مجرد شعار عاطفي، بل هو تعبير عن حق دستوري وقومي يكفله الدستور العراقي . وإذا كانت الظروف الديموغرافية والسياسية الحالية قاسية ولا تسمح بالتحقيق الفوري، فهذا يستدعي منا جميعاً مراجعة أدوات العمل القومي، وليس الاستسلام لنتائج التغيير الديموغرافي وإسقاط الحق القومي لمجرد اختلال موازين القوى.
خامسا: العمل الإنساني والإغاثي.. أين الخابور منه؟
حضرة الخوري ،
بصفتكم اليوم على رأس منظمة إغاثية وتنموية كبرى بحجم منظمة (كابني – CAPNI)، تمتلك إمكانيات وموارد دولية مقدرة، كنا ننتظر أن تترجم هذه الغيرة القومية على الخابور وأهله إلى مشاريع حقيقية وملموسة على الأرض.
إن حماية جغرافية الخابور لا تتأتى بالمقالات والمناشدات الإعلامية، بل بتكاتف الجهود، وتوفير فرص العمل، ودعم البنية التحتية، وهو الميدان الحقيقي الذي ننتظر من منظمة “كابني” ومنك ترك بصمة فارقة فيه.
في الختام
إن تسليط الضوء على هجرة أبناء الخابور وتحميلهم وحدهم مسؤولية إفراغ قراهم يُعد إجحافاً كبيراً لضحايا الإرهاب (داعش) والعنف والتهميش الاقتصادي والأمني. الضحية تحتاج إلى مشروع إنقاذ وتمكين، لا إلى تقريع وتوبيخ.
إن الحزب الآشوري الديمقراطي وعبر برنامجه السياسي يؤكد أن سهل نينوى، والخابور، وطور عابدين، وهكاري، وأورمية، هي أجزاء لا تتجزأ من وجدان الأمة الآشورية. لا أحد يملك حق الوصاية على أحد، ولا أحد يحق له إقصاء الآخر بناءً على خطوط حدودية رسمتها الإرادات الدولية.
دعونا نضع أيدينا بأيدي بعض، ونغلق خنادق التراشق الداخلي، ولنعمل معاً من أجل بقاء شعبنا وصموده في كل شبر من أرض أجداده.

