بين سلطة الأمر الواقع وحقوق المواطنة: من المسؤول الحقيقي عن نشر الحقد والكراهية وتهديد السلم الأهلي؟ المهندس نينوس ايشو
الأخ المهندس نينوس ايشو مسؤول الهيئة العامة والتنفيذية للحزب الاشوري الديمقراطي كتب تحت عنوان :
(( بين سلطة الأمر الواقع وحقوق المواطنة: من المسؤول الحقيقي عن نشر الحقد والكراهية وتهديد السلم الأهلي؟ ))
تشهد منطقة شمال العراق حالة من التوتر الصامت الممتد، والذي يتفجر بين الحين والآخر في هيئة احتجاجات شعبية، أو بيانات سياسية، أو سجالات إعلامية حول حقوق الشعب الآشوري . ورغم أن خطابات السلطة الرسمية تشيد دائماً بـ “التعايش السلمي والتعددية”، إلا أن واقع الحال يعكس فجوة عميقة بين الشعار السياسي والممارسة على الأرض.
وحين يطفو هذا التوتر على السطح، سرعان ما توجّه تهمة “إثارة الحقد والكراهية وتهديد السلم الأهلي” إلى الأصوات الناقدة من الإعلاميين والسياسيين والنشطاء الآشوريين. وهنا يطرح سؤال جوهري ومصيري نفسه: على من تقع المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية في نشر الكراهية وتفكيك نسيج العيش المشترك؟ هل تقع على الحاكم الممارس للسلطة، أم على المحكوم الذي يتألم ويعبر عن رفضه للغبن؟
في أصول العلوم السياسية والمواثيق الدولية، تقع مسؤولية حماية السلم الأهلي وترسيخ العدالة الاجتماعية على الجهة التي تمسك بمقاليد الحكم والإدارة. الحاكم هو من يملك المؤسسات، والقوة التنفيذية، والتشريع، وهو من يحدد المناهج الدراسية، ويوزع الثروات، ويضمن تطبيق القانون.
عندما تتكرر التجاوزات على أراضي وقرى الشعب الآشوري دون رادع قانوني حقيقي، وعندما تغيب المشاركة السياسية الفاعلة والمستقلة لترهن بممثلي كوتا خاضعين لسيطرة الأحزاب الحاكمة، فإن السلطة هنا لا تمارس دور المنسق والمتحيز للعدالة، بل تحول نفسها إلى طرف في النزاع.
إن عدم حسم ملف التجاوزات العقارية على القرى الآشورية (والتي يعود بعضها لعقود) يستفز المشاعر العامة، ويرسل إشارة غير مباشرة مفادها أن القانون ينطبق بنسبية تتحدد حسب النفوذ القومي والحزبي.
تزداد الفجوة عمقاً عندما يمتد التهميش إلى “الذاكرة التاريخية”. إن تدريس شخصيات تاريخية ارتكبت جرائم أو اغتيالات سياسية بحق رموز قومية وآشورية—كما حدث في اغتيال البطريرك مار بنيامين شمعون عام 1918 على يد سمكو الشكاكي دون تقديم قراءة نقدية وتاريخية منصفة تزيل تمجيد العنف، يُعد صدمة تربوية وثقافية لأبناء الشعب الآشوري.
السلم الأهلي لا يُبنى على فرض رواية منتصر وتهميش آلام الطرف الآخر، بل يُبنى على اعتراف شجاع بآلام الضحايا وتنقيب التاريخ بعين منصفة ترعى مشاعر جميع مكونات الوطن.
يتساءل الشارع الآشوري بمرارة: لماذا تأتي التجاوزات والاضطهادات دائماً باتجاه واحد؟ والجواب يتجلى في اختلال موازين القوة.
الشعب الآشوري، نتيجة للإبادات التاريخية المتلاحقة وموجات الهجرة القسرية والتهجير على يد الجماعات الإرهابية، بات يمثل “أقلية عددية وسياسية” تُجرّد تدريجياً من أدوات النفوذ والتأثير المسلح أو السياسي. فالطرف الذي لا يملك سلطة راعية ولا أجهزة أمنية تحميه بشكل مباشر، ليس بوسعه سوى التشبث بأرضه والصراخ المطالب بالعدالة.
من هنا، فإن عدم وجود تجاوزات من الطرف الآشوري ليس مجرد خيار للسلام، بل هو انعكاس لوضع لا يتيح فرض الأمر الواقع بالقوة، فضلاً عن ثقافة أصلية تجنح للعيش السلمي والاندماج المدني.
تتجلى إحدى أكبر معضلات الخطاب السائد في شيطنة شجاعة التعبير. عندما يخرج إعلامي أو ناشط آشوري ليرصد تجاوزاً بالوثائق، أو ينتقد سياسة استملاك واحتلال الأراضي والتغيير الديموغرافي، يتم اتهامه فوراً بنشر “الحقد والكراهية بين الشعبين الكردي والاشوري”.
هذه الآلية تُعرف في علم النفس السياسي بـ قلب أدوار الضحية والجاني.
إن ممارسة التجاوز، ومصادرة الأراضي، وتهميش الحقوق، هي الفعل الأصلي الذي يزرع الأحقاد ويقوض الثقة بين الجيران.
أما الرفض والنقد الصريح، فهو مجرد رد فعل طبيعي وسلوك مدني مكفول في القوانين الدولية للدفاع عن الوجود.
تجاهل سبب الحريق والتركيز على صراخ من يحترق ليس استراتيجية لإطفائه، بل هو محاولة لإسكات الصوت كي يستمر الحريق بدماء باردة.
المسؤول الأول والأخير عن نشر الحقد والكراهية وتعريض العيش المشترك للخطر هو من يملك السلطة ويمتنع عن إقامة العدل.
السلطة الحاكمة: مسؤولة لأنها تتغاضى عن التجاوزات، وتفرض تمثيلاً صورياً، وتغيب العدالة الناجزة، وتعتمد مناهج وممارسات تلغي تاريخ وثقافة الوجود الأصلي للمنطقة.
و عندما يحل نفوذ العشيرة أو الحزب محل سيادة القانون، يسود قانون الغاب وتتآكل ثقة المواطن بالدولة.
لا يمكن حماية العيش المشترك بالتمني أو البيانات الرنانة في المؤتمرات، بل بـ:
إعادة الأراضي والممتلكات المغتصبة لأصحابها الشرعيين دون تسويف.
وضمان تمثيل سياسي حقيقي ومستقل لأبناء الشعب الآشوري بعيداً عن الهيمنة الحزبية.
وإعادة النظر في المناهج التعليمية لتعكس التعددية وتحترم الذاكرة التاريخية للجميع.
وكف أيدي الأجهزة الأمنية عن ملاحقة الصحفيين والنشطاء الذين يدافعون عن حقوق مكوناتهم.
الخلاصة
إن الشعبين الكردي والآشوري جمَعتهما أواصر الجوار والجغرافية والنضال ضد الدكتاتورية لسنوات طويلة. وإذا كان هناك حرص حقيقي على السلم الأهلي، فإن الخطوة الأولى تبدأ من السلطة الحاكمة؛ بإنهاء مظالم الماضي والحاضر، واحترام وجود الشعبية الآشوري كشعب أصيل على أرضه، وليس كمجرد طائفة تُمنح حقوقها كمكرمة أو حبر على ورق. الصراخ المطالب بالحق ليس كراهية… الكراهية الحقيقية هي الظلم الذي يفرض الصمت.

